محمد حسن حمادة يكتب:

انهمرت دموعها كزخات مطر يجوب طرقات المدينة، كانت دائمًا عقب كل كارثة تتحصن بهذا الدرع الواقي الذي لم يخب أبدًا، كانت تعرف نقطة ضعفه فكانت تستعطفه بهذه الطريقة الأنثوية المجربة، وعندما تعيها السبل تكون دموعها ملاذها الأخير، أما هو فكان لايصمد أمام سلاحها الفتاك فيهرول نحوها ويضمها لصدره، فتحتضنه بقوة وتداعب شعره، لكن هذه المرة عندما لمست يدها يده رفع يده عن يدها علي غير عادته، وسرعان ماتخلص من حضنها فلأول مرة يشعر أنه متلفح بحية فحيحها يخترق أذنه وعطرها سم منقوع مخدر يصيبه بالدوار والغثيان.

تجمدت مكانها ولم تصدق أن سلاحها الفتاك وحصنها المنيع قد تهاوي، فزادت في البكاء بشكل هيستيري عله يعاود، فنظر لها شزرًا واشمئزاز وخرج من قلعتها (حجرتها) مهروًلا إلي الصالة حتي يتقياء أنفاسها التي كادت أن تخنقه، شعر بألم في عنقه، وضع يده علي عنقه، ونظر في المرآة فوجد احمرارًا شديدًا وأثرًا يشبه كما لو حية رقطاء مرت علي رقبته وحاولت خنقها.

قررت الاستمرار في لعبتها حتي النهاية لملمت أشيائها، وضعت رابطة سوداء حول عنقها واتشحت بالسواد بفستان أسود فوق معطفها الأسود وارتدت نظارتها الكبيرة السوداء وأصبح حالها يشبه سيدة متوجهة لحضور واجب عزاء.

خرجا إلي الصالة أصبحا في مواجهة بعضهما البعض، ظنت أنه سيتشبث بها ويمنعها عن الرحيل، لكنه اتجه إلي الباب وفتحه علي مصراعيه وأعطاها ظهره، تسمرت مكانها، تصنعت البكاء، فلم يعرها اهتماما، وقفت بمحاذاته، خلعت نظارتها تحاول استعطافه والتوسل إليه بتأثير عينيها الفاتنتين، ولكنه لم يرق ولم يضعف، وضعت يدها علي كتفه، أزالها بقوة فسقطت ساعتها علي الأرض، فكرت في حدث أقوي، فتظاهرت بالإغماء، دخل شقته وأغلق الباب بهدوء وكأن الأمر لايعنيه، وكأنه تخلص من جبل جثم علي صدره لسنوات وسنوات، ولأول مرة يدخل إلي حجرة نومه فرحًا منتشيًا فاخيرًا هزم تردده واسترد كبرياءه وثأر لكرامته وانتصر لرجولته.

(قوم إصحي علشان تمشي علي الشغل الساعة السابعة) يلتفت يمينًا ويسارًا كالمجنون، ينظر في اتجاه الباب يجده مغلقًا وهو في حجرة النوم وهي بجواره علي نفس السرير تغلق جرس المنبه.

قام من سريره اتجه لباب الشقة يبحث عن ساعتها التي سقطت بجوار الباب، فلم يجد شيئًا والباب مغلق (بالضبة والمفتاح) ذهب للحمام ومازال يتحسس رقبته.

نهار ما بعد ليلة الحلم.

ذهب إلي عمله علي عجل فقد داهمه الوقت ولابد أن يصل إلي عمله الحكومي قبل الساعة الثامنة والنصف حتي يمضي في البصمة، هذا الاختراع اللعين الذي كان يمقته ويشبهه بزوجته التي لاتعرف الأعذار، فهي زوجة بلا قلب لاتري زوجها إلا آلة ومجرد وسيلة لجلب المال، وفي وقت القبض تحاسبه بالسحتوت كانت تعرف كل مليم دخل إلي جيبه قبل أن يضع الفيزا في ماكينة الصرف فكان يشعر أنه مجرد أداة للتوصيل فقد كانت تقارن وصل القبض بالمبلغ المقبوض، و(ياويله) لو كانت ماكينة الصرف في وقت قبض المرتب خالية من الفئات ترميه بكل نظرات الريبة والشك وتُسمعه من قاموس الاتهامات والإهانات وعدم الأمانة مالايتحمله بشر والفرق كله خمسة أو عشرة جنيهات علي أقصي تقدير، ثم تسرد له أسطوانتها التي حفظها عن ظهر قلب (العيشة وإللي عايشينها) والغلاء الفاحش وأنه زوج قليل الحيلة (ومش ملحلح) كبقية الرجال فكان عكس كل الرجال يكره يوم قبض المرتب.

دلف إلي مكتبه العتيق بعدما مر بعدة دهاليز تشبه القبو ومر علي عدة غرف يسمونها أقسام، صبح علي كل قسم ثم دخل قسمه قسم الشئون المالية بالمرفق المركزي لإسعاف القاهرة حيا كل زملائه وخص زميل دراسته وصديق عمره الأستاذ علاء بتحية خاصة فمنذ المرحلة الابتدائية وحتي الجامعة لم يفترقا فقد تخرجا معا من جامعة القاهرة كلية التجارة، كما أنهما جاران بحي الجمالية وخدمهما القدر بالعمل معا في مرفق الإسعاف المركزي بالقاهرة في قسم الشئون المالية.
علاء إيه الأخبار ياعم (علي) عملت إيه إمبارح؟
هل نفذت مااتفقنا عليه؟
(علي) نعم ياصديقي نفذت كل مااتفقنا عليه بحذافيره ولكن في الحلم!
(علاء) في الحلم ماذا تقصد؟
(علي) لم تواتني الشجاعة كالعادة لأنفس عن غضبي معها في الواقع ولكني نفست عن غضبي في الحلم.
ثم أخذ يسرد (علي) حلمه لصديقه علاء.
كان علاء ناصحه الأمين وحاول مرارا وتكرارا إصلاح ذات البين بين صديقه وزوجته ولكنها كانت كالمهرة التي بلا لجام يصعب السيطرة عليها وزوجها لايستطيع ترويضها لأنه ببساطة من وجهة نظر علاء (مش مالي عنيها) ورجل طيب خلوق محترم مش بتاع مشاكل وبيحاول (يكبر ويمشي علشان خاطر عياله) ولم يفلح مرة في معاقبة زوجته علي أي خطأ اقترفته في حقه ففي مرة من المرات خرجت مع زوجها ووقفت أمام (فاترينة) في وسط البلد فأعجبت بفستان فاقتحمت المول وتركت زوجها لتتأكد من ثمن الفستان الذي كان سعره مكتوبًا علي صدر (المانيكان) ألفا جنيه بعد الخصم ولم يكن معها إلا الف وخمسمائة فخرجت لزوجها تسأله ما معه من نقود؟
فقال لها أية نقود المرتب كله معكِ (أنا باخد المصروف منك حتي مصروفي وأجرة الطريق والمواصلات باخدهم منك).
زمرجرت وصرخت يعني إيه (يامنيل علي عينك) الفستان طالع من عنيا عاوزة اشتري الفستان وإلاحايجرالي حاجة محتاجة خمسمائة جنيه إتصرف).
(أعمل إيه يعني)؟
استلف من صاحبك علاء؟
ماأنا لسه سالف منه عشرة آلاف جنيه علشان عملية الواد ولسه مسددتهومش
بأي عين أستلف منه؟
معرفش ماليش دعوة كلمه!
لازم أشتري الفستان!
مش حاكلمه هو أنا معنديش دم؟
كفاية بقي ياما استلفت منه وبسددوه علي سنين ولسه عليً ديون حرام عليكي حسي بيًه.
(حرام عليك انت ضيعت شبابي وجمالي راحوا معاك هدر جسمي داب من الطاقمين العمي الكحيانيين إللي انت اشترتهمولي من سنين وعمالة أرقع فيهم).
علا صوتها وأمسكته من لياقة القميص وقالت له مش حامشي من هنا إلا لما أشتري الفستان غصبن عنك.
حاضر خمس دقائق ذهب إلي محل للساعات ليبيع ساعته (الروليكس) التي كان يحتفظ بها لأنها من (ريحة والده) فهي آخر ماتبقي مع الشقة من إرث والده.
تفحصها البائع عاوز فيها كام ياأستاذ؟
وقبل ماينطق (علي) دي موديل قديم وصعب نصرفها دلوقتي الشباب بيحب الساعات الروشة.
(علي) دي سنييه؟
ياأستاذ الدنيا اتغيرت.
(علي) من الآخر تشتريها بكام يعني؟
البائع علشان خاطرك بثلثمائة جنيه.
(علي) طب ممكن تخليهم خمسمائة؟
طار البائع من الفرحة فالساعة ثمنها يتجاوز ذلك أضعافا مضاعفة.
البائع في تصنع…علشان خاطرك ياأستاذ وعلشان خاطر وشك السمح مش حاكسفك اتفضل الخمسمائة جنيه أهُم.

كان المشهد مؤلما شاهده القاصي والداني حتي أن بعض المارة صور الموقف بكاميرا تليفونه المحمول وأخذ رواد الفيس بوك يتداولون هذا المقطع، وصار حادثة يتناقلها الناس علي الألسنة وبلوتوث الموبايلات وحقق ملايين (الشير) والمتابعات واللايكات والتفاعلات في مصر والوطن العربي.

حتي أن بعض القنوات الفضائية أفردت له حلقات كاملة واستضافت خبراء ومتخصصين في هذه الظاهرة وتحليلها.

غدي (علي) بين لحظة وضحاها حديث الناس ومابين متعاطف معه وبين من يكيل له السباب والاتهامات ويصفه بأشنع الألفاظ، لكن معظم التعليقات كانت ضده وتصفه بعدم النخوة والرجولة.
كان عليه أن يصعفها قلمين علي وجهها.
والبعض الآخر يستنكر الموقف كلية ويصف زوجته بالمرأة السيئة التي لاتعرف شيئا عن الأخلاق والاحترام.
وشريحة أخري تطالبه بتطليقها ففعلتها لايمحوها إلا الطلاق.
وشريحة أخري نحت منحي آخر وعلقت تعليقات ساخنة.
(فرسة، مهرة، جامدة، مزة، وتحتاج لخيال…)
لكن علاء كان أكثر المتعاطفين مع صديقه عرض عليه الأموال مرات ومرات لكي يسد فم زوجته مادامت الأموال هي مشكلتهما الدائمة لكن عليا كان يرفض بشدة.

ولما انتهي علي من حديثه وما حققه من بطولة خيالية في حلمه، أيقن علاء أن صديقه (علي) حالة ميئوس منها وصلت لدرجة المرض فأعرض عن الكلام وفضل السكوت، وترك صديقه متظاهرا بانشغاله بأداء عمله.

جلس علاء علي مكتبه يتفحص وجه صديقه الذي انكب علي عمله وغاص كالعادة في الدفاتر فقد كان مشهورا عنه التفاني في عمله ومساعدة زملائه، تأكد علاء أن صديقه لم يعرف بأمر الفيديو بعد وأنه صار أشهر من نجوم السينما، فأشفق علي صديق عمره الذي يعرفه منذ الطفولة ويعرف طيبته وأخلاقه وكم هو متسامح إلي أقصي درجة ولايرد الإساءة بمثلها بل يرد الإساءة بنبل وأخلاق فيأسر قلوب من يعرفونه ولكن للأسف زمن الأخلاق والفرسان قد انتهي والطيبة في هذا الزمن (عبط وهبل) ولاأحد يقدرها بل يداس علي أصحابها بالنعال وخاصة هذه المرأة المتسلطة.

انتهي وقت الدوام ذهب علي إلي عمله الآخر بأحد محلات الملابس بوسط البلد كمراجع للحسابات، راجع حسابات اليوم وسلم الإيراد إلي صاحب المحل وتأهب للعودة إلي بيته وبمجرد خروجه للشارع حتي وجد بعضهم يتفحص وجهه، وصل إلي حي الجمالية وكلما ألقي السلام علي جيرانه يتغامزون ويضحكون ولاأحد يرد السلام فتعجب من هذا الأمر ولكن هداه تفكيره لعلهم قد سمعوا شجاره مع زوجته فلايوجد سبب آخر.

دخل بيته سلم علي زوجته (إنت جيت ياسبع البرومبة وجاي كمان بإيدك فاضية؟)
ليه هو إنتي كمان مطبختيش؟
ياشيخة حرام عليكي أنا جاي هلكان إرحميني مرة لوجه الله بتعملي إيه طول النهار.
بلاش دوشة إدخل المطبح واعمل أي حاجة تطفحها واعمل حساب العيال!
كمان مأكلتيش العيال!
وطبعا الطيور مطلعتلهومش وأكلتيهم دول روح زينا إحنا ممكن نستحمل دول لاء.

صعد إلي سطح البيت، وبمجرد أن لمحته الطيور استقبلته بفرح وترحاب كما استقبله أولاده فقد كان حالهم كسجناء في زنزانة واحدة وعلي هو الوحيد الذي يملك مفاتيح هذا الحبس الانفرادي كنا أنه يطعمهم ويشفي ظمأهم، اتجه لمكان العلف وملاء (العلافة) بالعلف ثم أغرق (السقاية) بالماء وانتظر حتي أكلت الطيور، ثم نزل إلي الشقة، خلع ملابسه، دخل المطبخ، غسل البطاطس ثم قشرها وأخذ يحولها (لأصابع) ثم وضعها في (طاسة القلية) ثم غسل الطماطم وقطعها (طرانشات) وأخذ يرشها ببعض الملح، ووضع العيش في (الميكروويف) وحتي يعدل مزاجه لابد من كوب ساخن من الشاي، فوضع الماء في (الكاتيل) ثم (لقم) كوبين من الشاي ووضع السكر في كوب صيني لزوجته أما هو فقد كان لايعرف طعم الشاي إلا في كوب زجاج، وبمهارة فائقة يحسد عليها أخرج (الرصة) الأولي وأخذ يُطعم أطفاله وهكذا (الرصة) الثانية والثالثة أما (الرصة) الرابعة فوضعها أمام زوجته ودخل ليصنع له (رصتي) بطاطس تسد جوعه حتي فرغ، ثم سأل أولاده (شبعتم ياولاد)
الحمد لله يابابا.
تستاهلوا الحمد.
خلصتوا واجبكم؟
لسه يابابا.
ليه كده ياولاد؟
ماما مش عاوزة تشرح لنا مسائل الحساب يابابا؟
معلش ياولاد حادخل الحمام واخد دش وأصلي وبعد كده حاقوم أشرح لكم كل إللي إنتوا عايزينه.
كان من عادته بعدما يعود من عمله الثاني ويفرغ من واجباته السابقة يغفو ساعة ثم يستيقظ في التاسعة أو العاشرة علي الأكثر يشاهد برامج التوك شو ونشرات الأخبار أما هي ففي الصالة تتابع برامج الموضة والأزياء، والأولاد الأربعة بالطبع ملتصقون بالأب الذي يحنو عليهم ويذاكر لهم ويشرح لهم مااستصعب عليهم من دروس.

لكن يخالف (علي) هذا البرنامج يوم الخميس لأن يوم الجمعة إجازته الرسمية فيجتمع هو وعلاء وشلة الجمالية علي قهوة الفيشاوي ويتسكعون في خان الخليلي وحي الحسين حتي مطلع الفجر ثم يصلي الفجر في الأزهر أو الحسين ولا يستيقظ إلا علي صلاة الجمعة التي يؤديها في مسجد الرفاعي.

ليلة فيديو الفضيحة.
بعدما أنهي (علي) حصة المذاكرة لأولاده، استلقي علي ظهره وفتح التلفاز أخذ يتنقل بين المحطات حتي استقر علي مذيعه المفضل الإعلامي عمرو أديب،
يقول بصوته العالي الأجش:
الفقرة إللي جاية معانا فيديو غريب صوره أحد المارة وأرسله للبرنامج، زوج وزوجته يتشاجران علي قارعة الطريق أمام أحد المولات لشراء فستان ثمنه ألفا جنيه وللأسف الزوج ممعاهوش والزوجة مصممة وليه نشرح ونحرق الفيديو تعالوا نشاهد الفيديو وبعد كده نرجع لحضراتكم نشوف آراءكم وتعليقاتكم”
وبمجرد ماعرض الفيديو أصيب (علي) بالذعر، ولم يتمالك نفسه، وقفز من علي سريره إلي الصالة، وخطف الريموت كنترول من يد زوجته، وأخذ يقلب حتي وصل إلي عمرو أديب…وهي في دهشة وذهول وقبل، أن تنبث ببنت شفة تصغي علي صوتها، فتلتفت للشاشة، فتشاهد نفسها وهي تمسك بلياقة قميص زوجها لتسقط مغشية عليها، أما علي…………………………

نُشر بواسطة محمد عرفة ابو يوسف

مشرف ديسك مركزي