فاتن الأنصاري

فى وقت يسوده حب الحياه وزينتها، والشمس ساطعه بصفاء اشعتها ،يأتى العاشق ليرى معشوقته الرناء، لا ييأس من رؤيتهاالغناء، يتأرجح بين الثنايا، يغمره شوقه آتيا بالعطايا، لا تنفطر عيناه عن رؤيتها ، تنظر عن اليمين تاره و الشمال اخرى،فى لهفه متأججه المشاعر ، لا تنطفئ لتعلمنا كم هو مغامر ، لا يأبه بعواصف الهوى ،ولا يعتنى بالمخاطر،إذ كان  احمد يعشق زهره كثيرا وعندما  رأى العاشق معشوقته  وضع يده عليها بخفه وأخذ يشعر بنعومتها ورائحتها الجميله وبحرص حتى لا يقطع ورقه من ورق زهره الياسمين التى كان يزرعها بخارج المنزل فى الحديقه ووضع لها الماء حتى يسقيها فرحا برؤيتها واستنشاق عطرها الجميل…

استمر العاشق هكذا بين رياحين الهوى وشوق الغياب ، منتظرا اليوم الذى يجمعاهما معا ، ويعد الأيام تلو الأخرى متسابقا على الزمان برؤية محبوبته ….

لم يكن يعلم بأن الزمان يحكم بالقدر الغائب ، ويجعل من شوق انتظاره وجود اشتياق وحرقة على غياب مفاجئ ، وهجران تام ، متعجبا من محبوبته التى اختفت ولا يعلم عنها شيئا !!!!!!!

تاهت أفكاره وتشعبت أحاسيسه ، وتغير لونه ، وانهمك فى الحزن المفجع ، والقلب الموجع ، والنفس البالية  ، والعين الباكية ، يبحث يمينا وشمالا راجيا رؤية معشوقته كعادته !.. ، ولكن دون جدوى

عاش أحمد هكذا سنوات طوال وهو على أمل اللقاء ، وكلما اقترب من مكان اللقاء الأول لمحبوبته ، يظل به فترة ليست بالقليلة ، على أمل  أن تأتى محبوبته ولو  للحظة يسيرة ، وكعادة تلك الهيامات الخيالية ، يصيح العاشق بصراخ الدموع العتية ،تغزو  وتخرج بقوتها الفتية ، لتغطى الوجه العفيف ، لتخبره أن اللقاء مستحيل ، والانتظار لا يفيد…………

جاءت الفرصة للعاشق برحلة عمل لعلاج الناس والقيام بعمليات جراحية طارئة خارج البلاد ، فكان حائرا بين القلب المنتظر والواجب الضروري الذي لابد من أدائه ، ولم يكن يعلم أن القلب المنتظر سيكون في انتظاره بين طيات أداء الواجب …

سافر الطبيب إلى لندن وهو يشعر بخفقان شديد لقلبه ووجهه يتقلب وعيناه تبكى وتكاد لا ترى أحيانا من البكاء دون أن يدرك ما سبب كل هذه التغييرات المفاجئة وتدهور حالته بتلك الصورة ؟ ! ، حتى أصبح الطبيب المعالج هو نفسه مريضا بمرض مجهول ، لم يعرف أحد من الأطباء تشخيصه ولا نوعه ، وكل ما يقولون له : أن القلب ينبض بطريقة سريعة ويظهر عليك انفعالات شعور لا تظهر أسبابها ولا خطورتها..

القلب سريع النبض ، والعين غزيرة الدموع ، والوجه مشحوب اللون ، والجسد دافئ ومضطرب .. ، وأحمد لا يشعر بشئ إلا بالذكريات التى تزيد حالته ألما وفجعا…

تراجع الطبيب عن مهمته التى جاء من أجلها ، وقال فى رسالته معتذرا : <<  جئت إليكم معالجا ومخففا للآلام ، ولكن وجدت نفسي صاحب الأوجاع  والآلام ، فكيف سأخفف عن الشاكين شكواهم وأنا أشكى مما هو أفجع من شكواهم.. اعذرونى فلست المناسب…>>..

لم يكد ينتهى من رسالته حتى جاءه مساعده بضرورة حضوره لحالة سريعة وعاجلة تكاد تنتهى حياتها لو لم يكن لها طبيب يعالجها ويخفف عنها مما هي فيه..
أسرع الطبيب إلى الحالة وهو فى قرارة نفسه أنه سيعجز عن علاجها ، لأنه ليس مهيئا نفسيا لعلاج أى مريض …

دخل الطبيب العاشق على غرفة المريضة التى تشتكى من ورم خبيث قد قضى على بعض أطرافها الجسدية وقد يلحق بها الموت إن لم يتمكن أحد من إنقاذها ، وخاصة بعد مرور سنوات طوال والمريض يصارع المرض ويتحداه فى قوة وصلابة ، بعدما سافر هنا وهناك باحثا عن طبيب ماهر ينقذه من شكواه ، لينتهي به المطاف إلى أحد المستشفيات الكبيرة التى بها أفضل الأطباء وأكفؤهم ، لا سيما أن يكون منهم الطبيب أحمد العاشق المتيم بقلبه الغائب ، والذي استدعى خصيصا لتلك الحالة النادرة ..

وهنا يتمنى  المريض أن يأتى هذا الطبيب المنقذ لكي يعود لحالته الأولى ليبحث عن قلبه الغائب الذي لم يراه منذ سنين…

لم يكن القدر غريبا ، ولم تكن المفاجأة متوقعة ، ولم تكن الأحلام تتحقق يوما ، لما دخل الطبيب غرفة المريض وإذ هى أنثي تتحدى المرض ، وتبكي بشدة وقلبها يتصارع بالخفقان ووجهها مغطى بطريقة تخفي آثار مرضها الخطير مما أخفي كثير من ملامحها فلا يتعرف عليها أحد سوى من ورقتها الخاصة بحالتها على سريرها …

اشتدت الاضطرابات والآثار النابضة بشعور الوحدة والوجع تارة ، والشوق والهيام تارة أخرى ، ..

أصبح الطبيب وحالته هذه مترددا ، ولكنه فى قرارته أن يحاول معرفة هذا المرض وكيفية علاجه لينقذ هذه الفتاة البريئة ..

أخذ الطبيب ورقة المريضه ورأى اسمها !!!

ها !! اسمها زهرة على اسم محبويتى الغائبة ؟!.. لا لا لا ، لن اترك هذه الحالة تيمنا باسم محبوبتى ، واقترب الطبيب وقلبه يشتد اضطرابا وسأل المريضة ، منذ كم تعانين من هذه الحالة يازهرة ؟
كان الصوت كالرصاص ، ونبضات القلب تكاد تصرخ من الصياح ، حتى أصبح اللسان عاجزا عن الكلام ، والأيدى عاجزة عن الحركة ولا يرى الطبيب الذي يحاول أن يسمع إجابتها ولو بصوت خفيف فاقترب منها ، إلا أنه لم يسمع سوى قلب يدق بصوت مرتفع والعيون تخرج من هذه الوشاحة التى تتغطى بها المريضة ،التى لم تصدق ان الطبيب المعالج والصوت الذي تسمعه هو حبيبها الذى هجرته فترة من الزمن !..

تعجب الطبيب من نظر الفتاة إليه التى تكاد عينها تشبه عيون محبوبته ولاحظ يدها التى تلوح بثقلها إليه ، فلم يتمالك نفسه إلا ونزع هذا الحاجز الكريه عن وجهها ، فإذا هى المريضة معشوقته التى ينتظرها مذ سنين خلت …….

بكيا العاشقان بكاء  أبكى الحاضرين جميعا دون أن يتكلما أو يحكيا من أمرهما شئ ……..!

هنالك عرف الطبيب والحاضرون سر تغيره المفاجئ ، وقرر الطبيب أن يظل فى المستشفى خادما لمحبوبته الجميلة حتى أتمت شفاؤها ، وعادت الزهرة إلى كينونتها الجميلة ، وهى تحتضن حب الزمان العائد من غياب طويل .. وعرف أحمد سر هجران معشوقته التى سافرت بحثا عن علاج بعدما هربت من حبها حتى لاتؤلمه وجعا وحزنا…

عاد الحبيبان إلى أرض الوطن بعد قضاء أحمد مع زهرة بالخارج قرابة ثمانى سنوات بعدما أنهى أحمد فرصة سفره الطبية ، وهنا تمتزج الفرحة للعائلتين برؤية العاشقان وفى صحبتهما ثمرة الغربة الممزوجة بالحنين حفيديهما مصطفى تيمنا بوالد زهرة وبإلهام تيمنا بوالدة أحمد ، وقررا المحبوبان قضاء بقية حياتهما معا دون فراق يؤلمهما كالمرة الاولى…